ابن عطية الأندلسي
526
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الأجسام وحاملة استعيرت للقلوب التي قد أقساها الله تعالى وأقصاها عن الخير وأما الوقر في الآذان فاستعارة بينة لأنا نحس الكفرة يسمعون الدعاء إلى الشرع سماعا تاما ولكن لما كانوا لا يؤثر ذلك فيهم إلا كما يؤثر في الذي به وقر فلا يسمع شبهوا به وكذلك العمى والصم والبكم كلها استعارات وإنما الخلاف في أوصاف القلب هل هي حقيقة أو مجاز والوقر الثقل في السمع ثم أخبر تعالى عنهم أنهم وإن دعوا إلى الهدى فإنهم لا يهتدون أبدا وهذا يخرج على أحد تأويلين أحدهما أن يكون هذا اللفظ العام يراد به الخاص ممن حتم الله عليه أنه لا يؤمن ولا يهتدي أبدا ويخرج عن العموم كل من قضى الله بهداه في ثاني حال والآخر أن يريد وإن تدعهم إلى الهدى جميعا فلن يؤمنوا جميعا أبدا أي إنهم ربما آمن منهم الأفراد ويضطرنا إلى أحد هذين التأويلين أنا نجد المخبر عنهم بهذا الخبر قد آمن منهم واهتدى كثير . الكهف 58 - 60 لما أخبر تعالى عن القوم الذين حتم بكفرهم أنهم لا يهتدون أبدا عقب ذلك بأنه للمؤمنين * ( الغفور ذو الرحمة ) * ويتحصل للكفار من صفته تعالى بالغفران والرحمة ترك المعاجلة ولو أخذوا بحسب ما يستحقونه لبادرهم بالعذاب المبيد لهم ولكنه تعالى أخرهم إلى موعد لا يجدون عنه منجي قالت فرقة هو أجل الموت وقالت فرقة هو عذاب الآخرة وقال الطبري هو يوم بدر والحشر والموئل المنجي يقال وأل الرجل يئل إذا نجا . ومنه قول الشاعر ( لا وألت نفسك خيلتها * للعامريين ولم تكلم ) ومنه قول الأعشى ( وقد أخالس رب البيت غفلته * وقد يحاذر مني ثم ما يئل ) البسيط ثم عقب تعالى توعدهم بذكر الأمثلة من القرى التي نزل بها ما توعد هؤلاء بمثله وفي قوله * ( وتلك القرى ) * حذف مضاف تقديره * ( وتلك ) * أهل * ( القري ) * يدل على ذلك قوله * ( أهلكناهم ) * فرد الضمير على أهل القرى و * ( القري ) * المدن وهذه الإشارة إلى عاد وثمود ومدين وغيرهم . * ( وتلك ) * ابتداء و * ( القري ) * صفته و * ( أهلكناهم ) * خبر ويصح أن يكون * ( تلك ) * منصوبا بفعل يدل عليه * ( أهلكناهم ) * . وقرأ الجمهور لمهلكهم بضم الميم وفتح اللام من أهلك ومفعل في مثل هذا يكون لزمن الشيء ولمكانه ويكون مصدرا فالمصدر على هذا مضاف إلى المفعول وقرأ عاصم في رواية أبي بكر لمهلكهم بفتح الميم واللام وقرأ في رواية حفص لمهلكهم بفتح الميم وكسر اللام وهو مصدر من هلك وهو في مشهور اللغة غير متعد فالمصدر على هذا مضاف إلى الفاعل لأنه بمعنى وجعلنا لأن هلكوا موعدا